أخر الأخبــار
الجمعة، 6 أبريل 2018

المفتش و معلم الفرعية بين الامس و اليوم .. قصة من الواقع.

 المفتش و معلم الفرعية  بين الامس و اليوم .. قصة من الواقع. 


تفاجأت البارحة بطلب صداقة من تلميذ تذكرت لقبه من حادث وقع بين والده ومعلمه قبل 20 سنة عندما كان هذا الاخير بالمستوى الاول في عمر 6 سنوات حيث اصبح عمره الان 26 سنة.. كانت تلك السنة الاولى لنا في التدريس بعد تعيين بالمنجنيق الى جبال جنوب المغرب ، كنا حوالي 27 معلما جديدا من مختلف مدن المغرب لكثرة الانتقالات وعدم قدرة اي معلم الاستقرار أكثر من سنتين بالمنطقة للظروف الطبيعية و البعد ، هناك من يحتاج ليومين من السفر  للوصول الى عائلته .
شباب في العشرينيات من العمر ، تخرجنا للتو من مختلف مراكز تكوين المعلمين بالمغرب ، كلنا حماس واندفاع ، توزعنا على مختلف الفرعيات المتناثرة على قمم الجبال والتلال تفصلنا ساعات من المشي للوصول الى المركزية ، يزورنا المدير على حمار حارس المؤسسة  ، لكل منا تصوره للعملية التعليمية.
التلميذ الذي أعاد شريط الذكريات جعلني أعيشها بشوق وحسرة على ما وصل اليه القطاع، فقد كان معلمه للمستوى الاول سنة 1998 يتعامل بكثير من الحزم يصل احيانا الى الغضب الذي يؤدي الى استعمال الضرب مع بعضهم ، والد هذا التلميذ كان يشتغل سائقا في الصحراء المغربية وكان يزور أسرته نهاية كل أسبوع ، وكنا نسمع عنه أنه شخصية مريضة بحب الظهور ويبحث عن منفذ للوصول الى المعلمين الجدد ليؤدوا فاتورة من سبقهم بالفرعية ، لكن ما لم يكن في الحسبان ان معلمه الجدي و القوي النشيط ضربه على ظهره بأنبوب مطاطي ترك آثارا خفيفة لضربتين على ظهره في اخر حصة صباح يوم السبت سنكتشف ذلك لاحقا.
بعد زوال يوم الاثنين بينما كنت في القسم فاجأني المدير بأن وضع على مكتبي مجموعة من الصور يظهر عليها خطين بلون أحمر لم أفهم للوهلة الاولى ما يقع ، حتى شرع في الحديث هل تعرف ما وقع لهذا التلميذ لقد قام فلان بضربه يوم السبت ،  والده الان هو من أحضرني بسيارة الاجرة التي يشتغل فيها ولم يشتغل منذ يومين لقد وضع شكاية لدى وكيل الملك ثم لدى النيابة ، هل تعلم بما حدث؟ ، قلت له أني لا علم لي بما يقول على الاطلاق وإن وقع ذلك فقد يكون خطأ من المعلم لم تكن نيته الاساءة للتلميذ ، فعرفت من يكون هذا التلميذ فقلت له بأن ماقام به هذا الاب لم يكن سوى بغرض التمظهر أمام أهل المنطقة بأنه شخص عارف للقانون و يريد الانتقام لاغير رغم ان هذا لا يبرر سلوك المعلم المبتدء ، جمعنا المدير نحن أربعة معلمين بتلك الفرعية ، وقال لنا : لقد كلفني النائب بأن أقوم بالمستحيل لحل هذا الملف لا نريد على الاطلاق بأن يسجل ضد أي معلم مبتدء أية متابعة بالمحاكم ،بعدها انظم إلينا والد التلميذ منتشيا بتحقيق هدفه هو تركيع المعلمين وجعلهم يتوسلون اليه واحدا واحدا بأن ما وقع لابنه لم يكن بغرض الاعتداء عليه ، تدخل المدير في عدة مناسبات أثناء الحديث لإعادته الى مجراه قصد  طي الملف ، توصلنا في اخر المطاف الى ان يقوم المعلم بتعويضه عن مصاريف الملف التي قدرها بألف درهم قدمها له على شكل شيك بريدي وانصرف رفقة المدير الذي لازمه الى ان كتب التنازل عن القضية.
 بالامس ، عندما وصلني طلب الصداقة ، دخلت لحسابه كي أعرف من يكون فوجدت ذلك المعلم من بين أصدقائه فتذكرت هذا الشريط من ذكريات الجيل الماضي ، يا لها من صدفة ، فعلمت بأن ذلك التلميذ عاد ليبحث عن المعلمين الذين كان يعرفهم منذ طفولته ، ربما قد يكون اعترافا بسمعة معلمين لا يزال أهل المنطقة يذكرونهم لسمعتهم وجديتهم في العمل ،  أتذكر أيضا مشهدا لازم تفكيري طيلة كتابة هذه السطور ، كنا نحن الاربعة نتناوب على الذهاب للسوق الذي يبعد عن الفرعية التي تقع بين جبلين وبالقرب من المقبرة بعيدا عن السكان بحوالي 45 دقيقة مشيا سريعا على الاقدام بين الجبال للذهاب فقط و45 دقيقة للعودة وأصبحنا نقطعها في 30 دقيقة مع مرور الوقت ، في احد الايام ذهب صديقنا معلم المستوى الاول الى السوق في تلك الفترة الصباحية  مبكرا ، فصادف ذلك الصباح حضور المفتش مع المدير قصد انجاز تقرير  للمشاركة في الحركة الانتقالية ، أقرب نقطة للفرعية تصل اليها السيارات بصعوبة تقع في الجهة الخلفية من الدوار بأعلى قمة جبلية حيث سهولة الهبوط للفرعية وصعوبة العودة ، دخل المفتش للقسم في العاشرة صباحا بينما يشتغل استاذ واحد في القسم والاخر في السوق ونحن لا نزال بالمسكن القريب من الاقسام لا نعرف ما يقع بالفرعية لأنها تقع على طريق السوق ، في ذلك اليوم بالضبط لا نسمع سوى حديث المارة وحوافر الدواب على الارض، وجد المفتش في القسم تلميذة تحرص المتعلمين بالتناوب على القراءة،   لا أحد منهم يجرؤ على الخروج من الصف صمت رهيب يسود القسم ، وجد الفرصة في غياب الاستاذ ليقوم التلاميذ بطريقته الخاصة ، بينما المدير دخل للقسم الاخر ، يعود بين الفينة والاخرى عند المفتش، خرج المفتش مطمئنا ومقتنعا بما حققه هذا المعلم في منطقة نائية ، جلهم تمكنوا في نهاية شهر ماي من القراءة والتعبير باللغة العربية في منطقة سكانها أمازيغ ، غادر المفتش الفرعية رفقة المدير  صعودا نحو القمة لمسافة تصل الى 800 متر على الاقل ، ما ان وصلا للقمة حتى شاهدا في القمة المقابلة المعلم وصديقه عائدين من السوق ، فتأكد المدير من أنهما فعلا المعنيان بالأمر ، فعاد المفتش نزولا الى الفرعية رغم مرضه بالسكري وارتفاع درجة الحرارة ، فعلم المعلم ان المفتش زاد القسم في غيابه ، ما هي إلا بضع دقائق حتى دخل المفتش من جديد الى الفصل مع نهاية الحصة الصباحية ، فقال له لقد كنت أراقب والمدير طريق عودتكما من السوق أثناء صعودي للجبل ، ورغم ذلك قررت النزول مرة اخرى  فقط لأقدم لك الشكر و التشجيع على عملك وانصرف، وبعد أسبوعين وصل تقرير المفتش بنقطة الامتياز مرفوقا بتشجيع خاص  من النائب ، لم تكن مجهوداتنا أقل منه لكن بحكم أني شخصيا كنت أدرس القسم المشترك 3و4و5و6 عربية أغلب التلاميذ يعانون من صعوبات تطلبت منى مجهودات مضاعفة، لم أتوصل بتشجيع بل توصلت بعد زيارة خاصة أخرى  بنقطة امتياز وسررت كثيرا باعتراف هذا المفتش وتشجيعه  وتقديره لظروف الاستاذ المبتدئ.

....
معلم من الجيل السابق
  • التعليقات عبر الفايس
  • تعليقات عبر المجلة

0 التعليقات :

إرسال تعليق

في انتظار تعليقاتكم وتفاعلكم على المواضيع

Item Reviewed: المفتش و معلم الفرعية بين الامس و اليوم .. قصة من الواقع. Rating: 5 Reviewed By: Educa24