أخر الأخبــار
الجمعة، 23 يونيو 2017

مقتضيات الوضعية الديداكتيكية في مادة اللغة العربية

Résultat de recherche d'images pour "‫اللغة العربية‬‎"

أضحت قضية غياب المعنى في المدرسة تثير الكثير من النقاش،و ذلك في ظل تفاقم التحديات الاقتصادية والاجتماعية و الفكرية...التي يطرحها العالم المعاصر،مما يستدعي البحث عن الرهانات الكفيلة بتاأهيل الفرد للحفاظ على توازنه،و السير بوعي في الاتجاه الذي رسمه لنفسه،وفي سياق ذلك يعد النقاش التربوي حول المدرسة السبيل الأنجع لتشخيص تعثراتها،بدءا من فضاء الفصل الدراسي و أنشطته التدريسية التي تقتضي التفكير بعمق و روية في العوائق التي تفرغ أحيانا وضعياتها الديداكتيكية من معناها.
الوضعية الديداكتيكية وبناء المعنى.
إن إدراك العلاقة بين المتعلمين و المعارف هي من صميم أولويات المدرس الذي يتعين عليه مساعدتهم على إعطاء معنى للمدرسة، من خلال إدراكه، أولا،لمعنى ما يدرسه، و ثانيا البحث عن المعنى الذي يمنحه هؤلاء لتلك المعارف.فالمعنى لا يوجد في المدرسة لذاته من خلال الوضعيات التي يعيشها المتعلم،بل يتم بناؤه بشرط التقيد بجملة ضوابط ثقافية و اجتماعية و تربوية؛ فنحن في أمس الحاجة إلى عقلنة ممارساتنا التربوية حتى نمنح أنشطتنا معناها و نرسي صرح تعلماتنا،وهو مبتغى رهانه "التدريسية "التي هي عبارة عن مجموعة من الاجراءات العقلانية التي يسعى المدرس من خلالها إلى تحقيق أهداف التعليم و التعلم،كما أنها أسلوب للتعامل مع التلميذ،و لكي لا تكون عبارة عن وصفات تجريبية فلا بد من الارتكاز على أسس علمية.
إن المعارف لا تتضمن في أحشائها كيفية تدريسها مما يفتح مشروعية الحديث عن الوضعياتالديداكتيكية باستمرار باعتبارها مشروعا منفتحا على البحث و الاجتهاد تماشيا مع انفتاح المعرفة على التطورالمستمر.فمدرس اللغة العربية قد ينطلق من تصور ديداكتيكي مفيد، لكن مع التقدم في سيرورة التعلم قد يكتشف أن هذا التصور غير صالح دائما، مما يدفعه إلى ممارسة تغذية راجعة على وضعياته الديداكتيكية.
ومن ثم، يتعين على مدرس اللغة العربية أن يخلق وضعيات ديداكتيكية يستحضر في بنائها طابع المرونة تماشيا مع المتغيرات المرتبطة بالعملية التعليمية التعلمية،من خلال كشف تمثلات المتعلمين واستثمارها في بناء التعلمات، ومراعات ميولاتهم في انتقاء النصوص الأدبية،فضلا عن التخلي عن تدريس المضامين لصالح "المفهمة".إنها رهانات نتغيا من خلالها عقلنة أنشطتنا حتى نمنحها معنى.
تمثلات نحو اللغة العربية.
إن "التمثلات" باعتبارهاأفكارا ومعاني تترجم تصوراتنا ورؤانا للظواهر،فقد تكون صحيحة،و قد تكون عكس ذلك.ومن هنا تبرز أهميتها البيداغوجية،إذ يجب استثمارها من أجل بناء التعلمات.فإذا كانت صحيحة وجب دعمها و تثبيتها، أما إذا كانت خاطئة فيتعين هدمها و تعويضها.وفي كلتا الحالتين فنحن ملزمون ببناء وضعيات ديداكتيكية تحفز المتعلمين على إماطة اللثام عن هذه التمثلات.
فقد اقترح جيوردان جعل التمثلات عنصر تشخيص ديداكتيكي يسمح بتحديد معارف المتعلمين المكتسبة،وذلك بخلق وضعيات تعلمية تحفيزية، بشكل يمكن المدرس من التأكد من من صحة تمثلات المتعلم وتجاوزها،إذا تبين أنها خاطئة، لأنها ستشكل حينئذ، عائقا على حد تعبير غاستون باشلار.فحين لا نصغي للتلاميذ فإننا نتجاهل تصوراتهم،و بالتالي لن نستطيع الكشف عن العوائق التي تقف سدا منيعا أمام بنائهم للمعارف،وفي غياب ذلك لن نتمكن من إحداث قطيعة مع ما يحملونه من تصورات خاطئة.
وسيرا نحو عقلنة تدريسية مادة اللغة العربية،يتعين وضع قطيعة مع التصور الخطي تجاه مكونات هذه المادة من جهة،وفي علاقتها بباقي المواد الأخرى من جهة ثانية.إننا في أمس الحاجة إلى ترسيخ تصور نسقي"يلعب المدرس فيه دور المحفز للذكاء الجماعي، و يساعد المتعلمين على بناء تعلماتهم من خلال تفكير نسقي1
فواقع الفصل الدراسي يكشف أن أغلب التلاميذ ينظرون إلى مكونات مادة اللغة العربية درس النصوص الدرس اللغوي درس المؤلفات درس التعبير و الإنشاء باعتبارها جزرا متناثرة وتفوقهم في أحدها يوهمهم أنهم متحكمون في مادة اللغة العربية معنى و مبنى.إنه تصور خاطئ ، يتعين وضع قطيعة معه.فالطفل الذي تعلم بشكل منفصل وتسلسلي التحكم في مقود الدراجة، العادية وتحريك عجلاتها و الضغط على الفرامل لا يعرف بالضرورة سياقة الدراجة،ذلك أن التفاعل بين هذه المهارات جميعها، هو الذي يكسبه القدرة على سياقة الدراجة،و هو الأمر ذاته الذي ينطبق على مادة اللغة العربية.و لخلق توتر لدى التلاميذ وكشف زيف تصورهم نحتاج إلى خلق وضعيات - مسألة ،تستدعي من المتعلم تعبئة مهاراته القرائية و اللغوية و الثقافية لإنتاج مواضيع في مكون التعبير و الإنشاء، حينئذ يجد التلميذ نفسه عاجزا عن ذلك، مما يفيد بأن أنشطته في مادة اللغة العربية لا معنى لها مادامت لا تسعفه في إنتاج خطابات شفهية وكتابية يتواصل بها مع ذاته أولا، ومع محيطه ثانيا.،.
ميولات المتعلم و درس النصوص.
أثبتت العديد من الدراسات البيبداغوجية وجود علاقة بين الميولات و الاهتمامات و بين التعلم فماير يرى أن" ميول و اهتمام التلميذ، بموضوع دراسي ما، قد تؤدي به إلى بدل جهود كثيفة ومتواصلة قصد تحقيق تفوق دراسي،وعندما يتحقق هذا التفوق، يقود ثانية إلى تقوية ميول التلميذ إلى الجهد و المثابرة ،ويبعث فيه قدرة على تحمل مشاق الدراسة وتجاوز الصعوبات حتى يتحقق له النجاح من جديد.
إذن ففتح قنوات الحوار من المتعلمين لمعرفة ميولاتهم شرط ديداكتيكي لا مناص منه لبناء وضعيات ديداكتيكية ذات معنى.ومدرس مادة اللغة العربية بالتعليم الثانوي التأهيلي،بإدراكه لهذه العلاقة بين المعارف و بين ميولات المتعلمين، سيجتهد لانتقاء أفضل النصوص الأدبية التي تلبي حاجياتهم الوجدانية،و بدون ذلك ستذهب الأنشطة الصفية أدراج الرياح،ففليب ميريو3 يتعجب، كيف نعلم أشخاصا لا قابلية - تلقائية -لهم في التعلم،و يسوق في هذا الصدد حكاية مدرس شاب فرنسي عين للتدريس بنواحي إحدى المدن الفرنسية، بأقسام غير منسجمة س12- س 16، حيث اكتشاف الثقافة التي يحملها ويؤمن يقينا بثرائها، غير فعالة في اكتساب تلاميذه معنى لهذه الثقافة، فققر أن يقرأ لهم مقتطفا غنيا ثقافيا من كتاب البؤساء لفيكتور هيغو،فتماهى المدرس مع النص اثناء القراءة لدرجة أنه لم يستطع ان يتمالك مشاعره ودموعه، حيث كانت له رغبة قوية في ايصال هذا الموروث الثقافي العظيم لتلاميذه، لكنه فوجئ بعن انتهائه من القراءة بان المتعلمين انسحبوا خارج القسم وهم يسخرون ،عبر النوافذ، من حال أستاذهم.
يتضح أن تجاهل رغبات وميولات المتعلمين في اختيار النصوص الأدبية،سينجم عنه الانسحاب الذهني او الفعلي للمتعلم كما حدث مذا المدرس الشاب الفرنسي،لأنه ليس في إمكان أي مدرس أن يرغم تلاميذه على محبة النصوص التي يحب قراءتها،كما لا يستطيع أب أن يرغم أبناءه على أن يكون لهم ذوقه نفسه؛ إذن فليس لكل التلاميذ و المدرس، بالضرورة، الاهتمامات نفسها و لا الرغبات نفسها.وعليه يتعين على أستاذ مادة اللغة العربية أن يبني وضعيات ديداكتيكية تستحضر ميولات المتعلمين،و تقودهم نحو بناء مشاريعهم الشخصية،وفي انعدام ذلك تكون أنشطته و أنشطتهم جوفاء لا معنى لها،وهو ما ينطق به لسان حال التأليف المدرسي الذي يطل علينا في كل حين ببعض الكتب المدرسية المولودة ولادة قيصرية،لم تسبقها دراسات ميدانية دقيقة حول هذا المتلقي المفترض،و طبيعة ميولاته و اهتماماته على مستوى الذوق الأدبي.إننا في حاجة إلى كتب تكون في الموعد مع قارئها"ماذا يحدث عندما يكون لكتاب ما موعد مع قارئه؟إنه بدون شك بداية لقصة حب جميلة، فكل واحد سيهب للاخر أعمق و أنفس ما عنده، كل واحد سيلقى من الآخر هدية عجيبة:الحب.فإذا تنفحصنا الكتب المدرسية في مادة اللغة العربية وجدناها تنص على جملة من الغايات أهمها اعتماد مبدأ التعلم الذاتي، من خلال التحول في الأنشطة من أفعال صيغ الأمر (انجز، اكتب، ابحث )إلى أفعال خبرية تحفل بالطواعية (أنجز، أكتب ،أبحث)، بيد أن واقع الممارسة الصفية يكشف أن جو التعليمات لا زال يخيم على نفوس المتعلمين.إن احترام الميولات و زرع ثقافة التعلم الذاتي لن يكون بصيغ الأفعال، بل بمنجزها الصفي،و حينئذ سيجد المتعلم أن ما يقرأه وما ينجزه فيه صدى لمشروعه الشخصي، و بالتالي يكتسب عنده معنى.
حسن عمار: أستاذ باحث في علوم التربية
ماي 22/05/2013/جريدة المنعطف التربوي /العدد 4587 /الصفحة7
  • التعليقات عبر الفايس
  • تعليقات عبر المجلة

0 التعليقات :

إرسال تعليق

في انتظار تعليقاتكم وتفاعلكم على المواضيع

Item Reviewed: مقتضيات الوضعية الديداكتيكية في مادة اللغة العربية Rating: 5 Reviewed By: Educa24