أخر الأخبــار
الأربعاء، 8 يوليو 2015

حمى اختبارات المراكز الجهوية لمهن التربية و التكوين ... بين الواقع و الفايس بوك

بقلم ذ محمد سعد
بداية أود ان انبه الى أمر أنني أتوجه بكلامي هذا الى نخبة فقط ممن يرغبون في التقدم لإجتياز مباريات ولوج المراكز الجهوية، أولئك الذين يتمتعون بالفطرة بموهبة و حس وقدرة و غيرة على مهنة التربية و التدريس، أما من هم يتهافتون على هذه المباريات، فأطلب منهم العذر على ما قد يثير كلامي في نفوسهم من مشاعر سلبية و عدمية.

الكل على اعصابه يتابع مستجدات مباريات ولوج المراكز الجهوية لمهن التربية و التكوين، و سؤال الحال الذي يسأله الكل للكل: هل من جديد جادت به الوزارة؟ و لأن الوزارة تتابع و تعلم ما يجري و ما ينشر هنا و هناك على مواقع التواصل الاجتماعي، اصدرت بلاغا فيه حس من المسؤولية الأخلاقية تنبه به الجميع، الى عدم نشر أي تاريخ للمباريات، و كل ما يتداول هو مجرد اشاعات، حتى تحد من التيه و اللغط.
لنبدأ بأمور تقنية صرفة، يجب التمييز بين صدور مذكرة تنظيم المباريات، و التي يمكن أن تصدر في أي وقت، و تنظيم المباريات التي يستحيل تحقيقه في الأسابيع القادمة لعدة اعتبارات نذكر منها ما يأتي:
- إن الاعداد للمباريات يحتاج لعدة تقنية معقدة تبدأ من الميزانية و العتاد و الموارد البشرية التي ستسهر على التنظيم و التصحيح و المقابلات و مسك النقط و الترشيحات و أمور أخرى، و الغلاف الزمني المتبقي من السنة التكوينية و الدراسية الذي لن يتجاوز منتصف شهر يوليوز يسمح بكل هذا،
- هناك تنازع اداري و قانوني في شأن تنظيم هذه المباريات بين الأكاديميات الجهوية و المراكز الجهوية التي أصبحت بموجب القانون المنظم لإحداث المراكز هيئات للتعليم العالي المستقلة عن الجامعات و غير تابعة للأكاديميات، أضف الى ذلك التنازع بين وزارة التعليم العالي و وزارة التربية الوطنية في تصنيف المراكز الجهوية و الاشراف عليها. و هذه اللخبطة تقتضي فصل السلط و حسم الوضع و القرارات و المسؤوليات.
- إن التقرير الذي رفعه المجلس الأعلى للتعليم و الذي عزز مضامينه التقرير الذي رفعه والي بنك المغرب الى جلالة الملك يكشف الضرورة العاجلة في إعادة النظر في طرق التوظيف و التكوين، لأن الجميع توصل الى قناعة أساسية مفادها أن ضعف قدرات الموارد البشرية في مواكبة الاصلاح و تنزيله، من جراء ضعف التكوين الأساس و التكوين المستمر.

لا بد من الاشارة الى أن هذا الاهتمام المكثف بمباريات ولوج مهن التدريس لا يشكل مؤشرا ايجابيا و نوعيا، لأن القراءة السطحية لهذا الاهتمام تشي كما لو أن التعليم يشكل بؤرة اهتمام المغاربة في التوظيف و الشغل، و الواقع هو عكس ذلك، فأغلبية من يمارسون هذه المهنة في المغرب يكرهونها أو غير راضين عليها و على أنفسهم فيها، فكيف نفسر هذا التهافت على مباريات ولوج المراكز الجهوية لمهن التربية؟
منذ سنوات و أنا اتابع ما يجري على الفايسبوك و مواقع أخرى بشأن ما يتصل بالتربية و التعليم، حتى أن هذه المهنة اصبحت مثل لعبة "بلاي ستيشن"، كل من كان أصبح ينشر و يكتب أي شيء كان و بأي طريقة كانت و الى أي كان، حتى ماع الوضع، و طفح الكيل، و زاد السقم عما كان عليه. و الواقع أن جيشا هائلا من ينشط على الفايسبوك باسم التكوين البيداغوجي لا علاقة له بهذه المهنة و لا يعرف عن التأطير البيداغوجي إلا ما سمعه عن غيره، أو ما ترسب من تخيلات و تهيؤات في ذهنه.

فما بين الفايسبوك و الواقع بون شديد، كما هو شأن البون بين الهزل و الجد.

إن مهن التدريس وصلت اليوم في المغرب الى حافة الهاوية، إن لم نقل إنها في قعر الهاوية، ليس لأن الوزارة لا تملك تصورا، و ليس لأن الدولة لا تمتلك ارادة سياسية. و بالعودة الى تاريخ التعليم في المغرب، لا نجد في أي فترة كانت ارادة أو تصورا واضحين عند الوزارة و الدولة اكثر مما هو اليوم، لكن لم كان التعليم جيدا و اليوم هو أردئ من الرداءة؟

الجواب في كلمة واحدة هي السر و الداء و الدواء و البداية و النهاية، و هي رجل التعليم، أو المدرس أو الاستاذ و سميه كما تشاء.

في السابق كان الأساتذة جيشا من المثقفين الواعين، يمتلكون تصورا واضحا للحياة و المجتمع و المشروع السياسي الذي يناضلون من أجله و نوعية المتعلم الذي يراهنون عليه و من أجله. أتكلم عن جيل السبعينيات و الثمانينيات من الأساتذة، كانت في المدارس أسوء المقررات و أسوأ المنهاهج و أسوى التجهيزات، لكن كان هناك أجود نساء و رجال التعليم، فكان المعلم مصدرا للمعرفة و الثقافة العميقة و الواسعة، و مرجعا في السلوك و العمل، و منبعا للقيم و الأناقة و حسن الذوق. فانظر الى حال من يمارسون المهنة اليوم.

إن من يريد أن يكون مدرسا و أن يضيف رقمه الى سلسلة جيش رجال التعليم عليه أن يعلم أولا أن مهنة التدريس ليست هي مهنة من لا مهنة له، و ليست ملاذا للضائعين و المتشردين في سوق الشغل، و ليس قطاع التعليم ملاذا للحكومة لكي تكفر على اخطاء الوزارات الأخرى في التشغيل، بأن تفتح الباب على مصراعيه لكل من كان في إطار تسويات سياسية و انتخابية على حساب مصلحة البلاد و مستقبل العباد. و عليه أن يعلم ثانيا أن المدرس هو ثقافة و معرفة و حسن اطلاع على شتى المعارف و التجارب الانسانية، و ليس بالمرة تخصصا مدرسا ضيقا ضيع الشاب وقته باطلا في حفظ ملخصاته الجامعية.

فالأساتذة المؤطرون بالمراكز الجهوية يعلمون جيدا مدى هول فاجعة ضعف مستوى الثقافة و التفكير عند من يريدون أن يكونوا معلمين للفكر و التفكير للنشء. و عليه أن يعلم أن المدرس هو عبارة و تعبير و عبرة، حسن لفظ، و براعة ترتيب الكلام و نظمه، توجيه الاشارة و النظرة و الحركة. بمعنى آخر هو ذات و شخصية مفعمة بالمعنى و التجانس و التوازن، بدل أن تكون مرتعا للعقد و الاحباطات و مشاعر السلبية و الخجل و الدونية.

طبعا، نجد أنفسنا في حرج في بداية كل مبارة، لأننا نعلم علم اليقين ضعف مستوى المترشحين على كافة الأصعدة، و قليلا ما نصادف مترشحا يملك من القدرات ما يؤهله للمهنة، فنفرح به و له و نهلل و نهنئ أنفسنا به، لكن هذا الأمر يحصل الا فيما نذر، و نعلم أنه علينا اختيار عدد المناصب التي تطالب بها الوزارة، و حينها يطبق قانون "الأعشى وسط العميان". و حينها يبتعد عنا مستقبل البلاد و نعانق الجائحة.

نعم أنا اقول و اتحمل مسؤوليتي الأخلاقية في قولي، إن الوضع اصبح مشينا و فيه تشنيع شديد على المهنة و ممتهنيها.

و بلغت الشناعة حدا أن التعليم و التكوين أصبحا لعبة فايسبوكية لمجموعة من الشباب بفعل الفراغ، و غياب اي تحقيق أو تحقق في ما ينشرونه، بفعل الانسحابات الجماعية لنساء و رجال التعليم من تلك المجموعات ، و كان حريا بهم التواجد فيها وسط شبابها و تأطيره و توجيهه و تقديم المشورة له و التنبيه الى الشناعات التي يقترفها في حق المهنة. هكذا يكون الدفاع عن التعليم و يكون في نفس الوقت اعداد المتهيئين الى اقتحام المهنة.

و قبل أن نشرع في تقديم بعض النصائح فيما يخص اختبارات ولوج المراكز لا بد أن نثير الانتباه الى بعض الأمور المهمة:

أولها، إن اعتماد QCM كنمط للاختبار املته ضرورة تقنية و هي الاعداد الهائلة من المترشحين و قلة الموارد البشرية لتصحيح الأوراق، لكن هذا النمط يستهدف في الغالب الثقافة العامة للمترشح، غير أن غالبية المترشحين تتعامل مع هذا النمط الاختباري كما لو كانت تملأ ورقة يانصيب. الاختبار الكتابي ليس كل شيء، و هو مجرد ربع النجاح، لكن ثلاثة ارباع النجاح هي الاختبارات الشفوية، حيث يكون المترشح وجها لوجه مع لجنة الامتحان بشحمه و لحمه، بما لديه و ما عليه، بشخصيته و شخصه، بلسانه و عقله و قلبه. حيث لا مجال للغش أو لضربات الحظ.

ثانيا، إن الاستعداد الجيد للاختبارات ليست لعبة فايسبوكية، و لا يفصل فيها أصغر ملخص و لا اشمل ملخص و لا الملخص المفيد أو الملخص العجيب، و لا غيرها من العبارات السخيفة التي تروج على الفايسبوك. الاستعداد للامتحان هو عمل جدي يشرع فيه صاحبه منذ شهور خلت، و يعمل بشكل جدي و يطلع فيه على امهات الكتب العلمية بالتدقيق و التحقيق في المفاهيم و الأفكار، ليكسب علما و تأهيلا و مهنة و أجرا و تكسب البلاد حظا في المستقبل.

و الى أولئك الذين حولوا علوم التربية الى سفاهة و تفاهة، و اصبح كل من هب وذب منظرا فيها، و يغالط الناس في شؤونها، و مع الأسف يصدقونه إما لسذاجتهم أو لغياب بدائل عنه، أقول إن علوم التربية هي علم مركب مما استعصى من المفاهيم و الأطروحات التي لا تستوعبها جماجم رؤوسكم الضيقة، و أنتم ترددون ملخصاتكم الساذجة و المليئة بالغلط و الخطأ و التشوهات المعرفية كما الببغوات، و لا تقدرون على شرح و لو مفهوم واحد و لا عبارة واحدة إلا ما تحفظونه مثل صبيان المدارس عن ظهر قلب أو جمعتموه أو سرقتموه من هنا و هناك بلا خجل و لا وجل.

و للذين يستهلكون تلك المواد المسمومة، و يقبلون بنهم عليها، أقول لهم إن الفشل في انتظاركم، و ستجدون أنفسكم في السنوات المقبلة تكررون نفس الخيبات و تستهلكون نفس المتلاشيات المعرفية على الفايسبوك. و أقول للجميع و الله ما فلح أحد في اختبار و معدته مليئة بما في بعض المجموعات الفايسبوك بعفن ما ينشره صبيان الفايسبوك في علوم التربية.

أقول للجميع إن احترم علوم التربية واجب، لأنها علم جامع لكل العلوم، و لها أهلها، و لغتها، و قوانينها، و قواعدها، و رجالها، و أصولها، و مراجعها، و مفاهيمها، و مسبقاتها، و استقراءاتها، و مناهجها... و هي اوسع مما يخطر عل بال، و اعوص مما يقدر عليه احدهم.

فإن كنتم تودون الاستعداد للاختبارات، فاستعدوا بحق، و لن تستعدوا بحق إلا عندما تسألوا أهل التكوين و المهنة، و عندما تعودوا الى أصول العلم و كتبه و الشروحات و الدروس التي قدمها و يقدمها أهل العلم للشرح و التبسيط و التفصيل فيه. و ما دون ذلك هو الباطل.

و ما يبدأ فايسبوكيا ينتهي فايسبوكيا.

و الله شاهد على صدق ما أقول.

و قد اعذر من أنذر.

يتبع بأهم النصائح الواجبة في الاستعداد للاختبارات الكتابية لولوج المراكز الجهوية لمهن التربية و التكوين
للتعليق على المقال و مناقشته يرجي زيارة منتدى الموقع على الرابط التالي:


المصدر: taqwin.ma
  • التعليقات عبر الفايس
  • تعليقات عبر المجلة

0 التعليقات :

إرسال تعليق

في انتظار تعليقاتكم وتفاعلكم على المواضيع

Item Reviewed: حمى اختبارات المراكز الجهوية لمهن التربية و التكوين ... بين الواقع و الفايس بوك Rating: 5 Reviewed By: Educa24